عبد الرحمن بن عبد السلام الصفوري الشافعي

164

نزهة المجالس ومنتخب النفائس

وخلقت أصحابك وأزواجك من القسم الثاني ، وخلقت من أحبك من القسم الثالث ، فإذا كان يوم القيامة رددت النور إلى نوري وأدخلتك وأهل بيتك وأصحابك ومن أحبك جنتي برحمتي فأخبرهم بذلك عني . وقال ابن عباس رضي اللّه عنهما : لما أراد اللّه خلق المخلوقات وخفض الأرض ورفع السماوات قبض قبضة من نوره ثم قال لها كوني حبيبي محمدا فطاف ذلك النور بالعرش قبل خلق آدم بخمسمائة عام وهو يقول : الحمد للّه فقال اللّه تعالى : لأجل ذلك سميتك محمدا ثم خلق نور آدم عليه الصلاة والسلام من نور محمد صلى اللّه عليه وسلم وخلق جسد محمد صلى اللّه عليه وسلم من طينة آدم عليه الصلاة والسلام ثم أسكن نور محمد صلى اللّه عليه وسلم في ظهر آدم عليه الصلاة والسلام فصارت الملائكة تقف خلفه صفوفا ينظرون إلى ذلك النور ثم قال آدم : يا رب ما لهؤلاء يقفون خلفي ؟ قال اللّه تعالى ينظرون إلى نور محمد صلى اللّه عليه وسلم قال يا رب اجعله في جبهتي فنقل اللّه تعالى ذلك النور إلى جبهة آدم فصارت الملائكة تقف أمامه ثم قال يا رب اجعله في موضع أراه فجعله في إصبعه المسبحة فرفعها آدم عليه الصلاة والسلام وقال : أشهد أن لا إله إلا اللّه وأشهد أن محمدا رسول اللّه ، قلت : فهذا أصل التشهد ولهذا سميت المسبحة لأنه يشار بها إلى وحدانية اللّه تعالى ولأن عرقها متصل بالقلب ثم قال يا رب هل بقي من هذا النور شيء ؟ قال نور أصحابه قال يا رب اجعله في بقية أصابعي فجعل اللّه نور أبي بكر في الوسطى ونور عمر في البنصر ونور عثمان في الخنصر ونور علي في الإبهام رضي اللّه عنهم أجمعين ، فلما هبط آدم إلى الأرض انتقلت الأنوار إلى ظهره فلما قدر اللّه الاجتماع بين آدم وحواء عليهما السلام على عرفات أرسل اللّه تعالى إليه نهرا من الجنة فاغتسل وغشي حواء فانتقلت الأنوار إليها ثم لم يزل نور محمد صلى اللّه عليه وسلم ينتقل من صلب إلى صلب ومن بطن طاهر إلى بطن طاهر إلى أن انتقل إلى صلب إبراهيم عليه الصلاة والسلام فأخرجه اللّه تعالى من أفضل المعادن وأكرم المغارس شجرة مشرقة الضياء أصلها في الأرض ثابت وفرعها في السماء نابت أصلها أصيل وفرعها طويل وغارسها الرب الجليل وساقيها إبراهيم الخليل وخادمها الأمين جبريل وملقح ثمرها إسماعيل ثم قصد خولي النعمة إلى شجرة المحبة فاستخرج منها حبة فأول ما غمسها في بحر الرحمة فخرجت بمنشور وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ ( 107 ) [ الأنبياء : 107 ] ثم غمسها في بحر الرضا فخرجت بخلعة وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضى ( 5 ) [ الضحى : 5 ] ثم غمسها في بحر الكرامة فخرجت بمنشور [ النساء : 80 ] ثم غمسها في بحر القربة فخرجت بمنشور فَكانَ قابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنى ( 9 ) [ النجم : 9 ] ثم اختار لتلك الحبة أرضا مقدسة لا مدنسة فأنبتت شجرة مباركة زَيْتُونَةٍ لا شَرْقِيَّةٍ وَلا غَرْبِيَّةٍ [ النور : 35 ] لا يهودية ولا نصرانية فهي شجرة النور أصلها نور وفرعها نور ، نور على نور فكان صلب الخليل ناديها وظهر إسماعيل شاطئ واديها وسقى بالخليل عودها واخضر بإسماعيل عمودها وتم بمحمد صلى اللّه عليه وسلم سعودها فلما قوي أصلها وثبت وشب فرعها ونبت تشعبت فروعها شعوبا وتفرعت ضروبا فالحق زهرتها والصدق ثمرتها والتقى أغصانها والهدى قنوانها معلقة بالعرش من تمسك بها سلم ومن تأخر عنها ندم ، انتقل